الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
256
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ [ النساء : 47 ] فنبّهوا على أنّ الشرك من قبيل الافتراء تحذيرا لهم من الافتراء وتفظيعا لجنسه . وأمّا في هذه الآية فالكلام موجه إلى المسلمين فنبّهوا على أنّ الشرك من الضلال تحذيرا لهم من مشاقة الرسول وأحوال المنافقين فإنها من جنس الضلال . وأكّد الخبر هنا بحرف ( قد ) اهتماما به لأنّ المواجه بالكلام هنا المؤمنون ، وهم لا يشكّون في تحقّق ذلك . والبعيد أريد به القويّ في نوعه الذي لا يرجى لصاحبه اهتداء ، فاستعير له البعيد لأنّ البعيد يقصي الكائن فيه عن الرجوع إلى حيث صدر . [ 117 - 121 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 117 إلى 121 ] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 120 ) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ( 121 ) كان قوله : إِنْ يَدْعُونَ بيانا لقوله : فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً [ النساء : 116 ] ، وأي ضلال أشدّ من أن يشرك أحد باللّه غيره ثم أن يدّعي أنّ شركاءه إناث ، وقد علموا أنّ الأنثى أضعف الصنفين من كلّ نوع . وأعجب من ذلك أن يكون هذا صادرا من العرب ، وقد علم الناس حال المرأة بينهم ، وقد حرموها من حقوق كثيرة واستضعفوها . فالحصر في قوله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً قصر ادّعائي لأنّه أعجب أحوال إشراكهم ، ولأنّ أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي : اللّات ، والعزّى ، ومناة ، فهذا كقولك لا عالم إلّا زيد . وكانت العزّى لقريش ، وكانت مناة للأوس والخزرج ، ولا يخفى أنّ معظم المعاندين للمسلمين يومئذ كانوا من هذين الحيّين : مشركو قريش هم أشدّ الناس عداء للإسلام : ومنافقوا المدينة ومشركوها أشدّ الناس فتنة في الإسلام . ومعنى وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً أنّ دعوتهم الأصنام دعوة للشيطان ، والمراد جنس الشيطان ، وإنما جعلوا يدعون الشيطان لأنه الذي سوّل لهم عبادة الأصنام . والمريد : العاصي والخارج عن الملك ، وفي المثل « تمرّد مارد وعزّ الأبلق » اسما حصنين للسموأل ، فالمريد صفة مشبّهة مشتقّة من مرد - بضم الراء - إذا عتا في العصيان . وجملة لَعَنَهُ اللَّهُ صفة لشيطان ، أي أبعده ؛ وتحتمل الدعاء عليه ، لكن المقام ينبو